الرئيسية / حول العالم / عالمنا الزجاجي المعاصر.. بقلم الكاتب جمعة بن مرزوق بن عامر العويسي

عالمنا الزجاجي المعاصر.. بقلم الكاتب جمعة بن مرزوق بن عامر العويسي

عالمنا الزجاجي المعاصر
________________________
جمعة بن مرزوق بن عامر العويسي
6 ابريل 2020م
________________________
لم اكن اتخيل لحظة أن نصل الي ما وصلنا اليه في هذه الفترة من ضعف وهشاشة وقلة حيله في هذا العالم الزجاجي المعاصر، والذي يصفه غالب الناس بأنه عالم متقدم في شتى المجالات ، ومنها في المجال الطبي بالإكتشافات المستمرة لعلاج الكثير من الامراض ، ودخول التكنولوجيا الحديثة في مجال الطب كالتصوير بالأمواج فوق الصوتية واجهزة التنفس الاصطناعية ، ونقل الاعضاء البشرية وزرعها ، والوسائل الحديثة لتشخيص الامراض وعلاج المرضى ، والحصول على المعلومات الدقيقة عن المريض في دقائق معدودة ، ككبسولة الفيديو اللاسلكية التي يبتلعها المريض حيث تستطيع التقاط صورتين في الثانية خلال اربع وعشرين ساعة متواصلة لتبث الصور والمعلومات الى البرامج الحاسوبية المتخصصة والذي بدوره يقوم بتحليل وتشخيص الامراض التي يعاني منها المريض ، اضافة الى القلب الصناعي الذي يتكون من مواد معقدة مثل التيتانيوم والبلاستيك المزود بالبطاريات والملف الكهربائي الخارجي والقادر على ضخ الدماء الى كافة انحاء الجسم ، واستخدام الروبورت في العمليات الجراحية من تمكن الاطباء من اجراء عمليات جراحية دقيقة عن مسافة تبعد الاف الاميال بإستخدام الكاميرات الذكية والحواسيب المتقدمة .
كل ذلك التقدم المبهر في المجال الطبي على مستوى العالم سرعان ما تم فضحه بهذا الفيروس الذي لا يتعدى حجمه 120 نانومتر وتحتاج المجاهر الدقيقة الى تكبيره حسب علماء الطب الروس الى حوالي 20 مليون مرة ، والذي اربك جميع دول العالم بما فيها والتي نحسبها دول العالم الاول المتقدم ، فأصيبت بالشلل الاقتصادي التام بجميع اركانه ، وعجزت مستشفياتها عن استيعاب المرضى ، ناهيك عن النقص الحاد في المستلزمات الطبية عندما تابعنا وسائل الاعلام المختلفة كالكمامات والقفازات واجهزة التنفس الاصطناعية ، والتعامل اللاإنساني للمرضى وبخاصة كبار السن بإهمالهم وتركهم يموتون في أزقة مستشفياتهم دون حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة ، فكما تداول مقطع فيديو في وسائل التواصل الحديثة من طلاب احدى الدول العربية الدارسين في الولايات المتحدة الامريكية ، يتحدث عن هذا المرض وتعامل المستشفيات مع المرضى بأن تستقبل من يحملون بطاقات التأمين الصحي فقط ، ومن لم يحمل تلك البطاقات لا يتم علاجه بالمستشفى ، فهنا نتحدث عن دولة في نظر البعض عظمى ، فكيف لدولة وبهذا الحجم تعامل مواطنيها بهذه المعاملة اللاأخلاقية واللاإنسانية ، فالنظام الرأسمالي البغيض لا يعترف بالقيم الانسانية والاخلاقية وليس أدل على ذلك من وفاة ثلاثة اطباء من اصول عربية في ايطاليا وهم في الخط الاول للدفاع ومواجهة هذا المرض ولا حتى أي وسيلة اعلامية أتت بسيرتهم ناهيك عن انجازاتهم ، ليجعلنا نعيد النظر كأمة عربية واسلامية في الانبهار بالغرب وتقدمه ، فليس هو الا عالم زجاجي سريع الانكسار في حالة الهجوم عليه من أصغر مخلوقات الله .
قال تعالى : (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )) صدق الله العظيم
فهذه الصورة الذهنية عن الغرب المتقدم كونتها وسائل الاعلام بمختلف توجهاتها وميولها ، فقمنا نحن العرب والمسلمين بتصديقها ، والامّر من كل ذلك انتقاصنا من ذواتنا واستصغارنا من انفسنا لينظر علينا الآخر بنظرة احتقار ودونية ، فمن لا يحترم ذاته لا يحترمه الآخرون ، وما الإنجازات التي حصلت في العالم الغربي في معظمها إلا بمعرفة وتدبير عقول عربية واسلامية مهاجرة ، فلو استثمرنا هذه العقول في بلداننا العربية والاسلامية لساهمت بلا شك في التقدم والازدهار ، فالشيء بالشيء يذكر فيوم أمس التقيت بأحد طلابي القدامى صدفة في إحدى محلات التسوق ، فكنت أساله عن زملائه وخاصة المتميزين منهم ، فقال لي أن فلان الفلاني درس طب في إحدى كليات الطب بنيوزيلندا عن طريق بعثة علمية مجانية من وزارة التعليم العالي ، فعندما تخرج من الجامعة توظف في البلد التي أُرسل اليها في احدى المستشفيات بنيوزيلندا ، فما كان لي إلا أن اتعجب بأن نخسر تلك العقول المبدعة والتي نتأمل منها أن تساهم في بناء هذا الوطن بعد أن أعطاها كل شيء .
ففيروس كورونا أتى بالكثير من المصائب والسلبيات على جميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا أنه كشف لنا ما كنا لا نتخيله ابدا عن هذا العالم المعاصر ، بإنسلاخه التام عن القيم العليا والفضلى ، فالأزمات والتحديات والمصائب تكشف لكل ذي بصر وبصيرة حقائق يستفيد منها الانسان وتتعلم منها الحكومات لما سوف يتم انجازه في المراحل القادمة ، فالظاهر أن هذا الفيروس سيخلق تحولات وتغييرات في هذا العالم ستظهر آثارها في المستقبل القريب بمشيئة الله تعالى فنحن نعيش في عالم زجاجي معاصر .

شاهد أيضاً

صحافة المواطن .. وعين الرقيب *بقلم سلطان بن محمد القاسمي*

صحافة المواطن .. وعين الرقيب *بقلم سلطان بن محمد القاسمي* ليس غريباً أن يكون المواطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *