الرئيسية / شبكة عرب ميديا / جائحة كورونا (كوفيد19) (أزمة ومنهج من منظور إسلامي) بقلم سميره الشبلي

جائحة كورونا (كوفيد19) (أزمة ومنهج من منظور إسلامي) بقلم سميره الشبلي

جائحة كورونا (كوفيد19)
(أزمة ومنهج من منظور إسلامي) سميره الشبلي
معلمة تربية إسلامية
دكتوراه: مناهج وطرق تدريس تربية إسلامية
البريد الالكتروني: samra83@mo.om

أولاً: الأزمة من منظور إسلامي:
ترتبط الأزمة في المنظور القرآني بوجود الإنسان على الأرض، وأن وجوده مرتبط بحالة من السعي والكدّ المصاحب لتعب وشدة تصيبه، مصداقًا لقوله تعالى:(لقد خلقنا الإنسان في كبد)(البلد:4)، أي شدة منذ ولادته ونبت أسنانه ومعيشته، ثم سعيه في الأرض في مشقة يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة.

فمصالح الإنسان في الدنيا مشوبة بتكاليف ومشاق، تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها؛ كالأكل والشرب واللبس والسكنى والركوب والنكاح وغير ذلك، فإن هذه الأمور لا تنال إلا بكدّ وتعب. فهو في مكابدته أحوال الدنيا يتعرض لمحن وأزمات كيرة، بعضها يتصل بعلاقته بالطبيعة من حوله، جوًا وبحرًا وبرًا، وبعضها يتصل بصراعه مع البشر، إما صراعات شخصية أو ضمن جماعته وبلده، يستوي في هذا المؤمن والكافر، والصالح والفاجر، فلفظ “الإنسان” في الآية دالة على أن هذا أمر متصل بجميع البشر على الأرض.(جمعة، 2018).

أ‌- الأزمة في القرآن الكريم:
لابدّ من الإشارة إلى أن الأزمات ابتلاء يصيب الناس مصداقًا لقوله تعالى:
قال الله تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ،” “سورة البقرة :155-156″، وقال سبحانه: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” سورة الروم: 41″، وقال تعالى”: “وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ” “سورة الأنبياء: 35″،وقال سبحانه”: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” “سورة الأعراف: 168.”

 

ب- الأزمة في السنة النبوية:
ولعل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يدعو الله في بدر: «اللهم إن تُهْلِكْ هذه الْعِصَابَةَ من أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ في الأرض» فما زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادّاً يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عن مَنْكِبَيْهِ( رواه البخاري ومسلم)، ما يدل بوضوح على طبيعة الخطر الذي تحمله الأزمة، فهي تشكل تهديداً خطيراً لوجود الدعوة، وتضعها أمام احتمالين: إما الانطلاق بحيث لا تتوقف حركة الفتح حتى تصـل إلى مكة ثم تنطـلق خـارج الجزيرة إلى ما شاء الله، وإما الانكسار حتى لا يعبد الله تعالى في الأرض.

ثانيًا : إدارة الأزمة وفق المنهج الإسلامي:
أ-علم إدارة الأزمات:
لقد عرف الفكر الإسلامي هذا العلم، أو الفن، على الرغم من أن موضوعه يعتبر من الموضوعات والمفاهيم الإدارية الحديثة نسبياً، وهو فن إدارة الأزمات، بمعنى التعامل مع الأزمة على نحو يقلل أضرارها، ويحوِّل المحنة إلى منحة، والبلاء إلى عطاء.

يقصد به كيفية التغلب على الأزمة باستخدام الأسلوب الإداري العلمي من أجل تلافي سلبياتها ما أمكن، وتعظيم الإيجابيات. ويرى البعض أن إدارة الأزمة:” عملية إدارية متميزة لأنها تتعرض لحدث مفاجئ، ولأنها تحتاج لتصرفات حاسمة سريعة تتفق مع تطورات الأزمة، وبالتالي يكون لإدارة الأزمة زمام المبادأة في قيادة الأحداث والتأثير عليها وتوجيهها وفقاً لمقتضيات الأمور”.(اليازجي، 2011).

كما تعرف بأنها: (عملية استفراغ الوسع من قبل الفرد أو الجماعة في الأخذ بالأسباب الشرعية، والاستفادة من دروس الماضي والحاضر، لوضع التدابير اللازمة لمواجهة المستقبل، مع التوكل على الله تعالى فيما قدر من نتائج؛ لتحقيق أهداف تتفق مع مقاصد الشريعة أو لا تتعارض معها)(جمعة، 2018: 54) .

ب- المنهج الإسلامي لإدارة الأزمات:
إن سنة الله في خلقه ومنذ أن خلق آدم عليه السلام، هو تعرّض الإنسان على صعيده الذاتي كدائرة ضيقة، والمجتمع كدائرة أوسع للأزمات، تتفاوت في حدتها وقوتها، ويتفاوت الإنسان والمجتمعات في إدارة هذه الأزمات والتغلب عليها.

والإسلام كدين وعقيدة وسطية، استطاعت أن تتعامل مع الأزمات والكوارث بطريقة وسطية أيضًا، فهو ركز على الجوانب المادية البحتة كالاستعداد والتجهيز والتخطيط وتحضير المواد وفرق العمل، وكل هذه الأمور التي لا يمكن أن تُحل الأزمة أو الكارثة من غيرها، وإلى جانب ذلك وبالتوازي مع هذا الجانب المادي طلب اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، إذ إن المسلم يؤمن بعقيدة راسخة – ولا يمكن أن تنحرف قيد أنملة – على أن هذا الكون وكل ما فيه لا يمكن أن يتحرك أو يحدث إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى، فلا ورقة شجرة تسقط، ولا نملة تتحرك وتخرج من بيتها، ولا بكتيريا تتكاثر، ولا فيروس يتضاعف ويسبب وباء أو جانحة إلا بإرادته سبحانه وتعالى، فاللجوء إليه مطلب موازٍ لمطلب المختبرات والتحضير والاستعداد لمواجهة الأزمة أو الكارثة.

ولا يختلف اثنان في أن الأزمات جزء رئيس في واقع الحياة البشرية والمؤسسية، وهذا يدفع إلـى التفكير بصورة جدية في كيفية مواجهتها والتعامل معها بشكل فعال يؤدي إلى الحد مـن النتـائج السلبية لها، والاستفادة إن أمكن من نتائجها الإيجابية، وذلك من خلال الوقوف على معانيها.

فكيف عالج الإسلام الأزمات والكوارث؟ نستطيع هنا تلخيص المنهج الإسلامي في إدارة الأزمات تبعًا لنوعها في الأمور التالية:
• الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله:
فمنذ أن خلق الله آدم عليه السلام تحدث الابتلاءات والأزمات الأزمة تلو الأزمة، بدأت بوسوسة الشيطان لآدم وزوجه، وإخراجهما من الجنة، كانت أزمة عظيمة لهما عليهما السلام، إلاّ أن الله سبحانه وتعالى ألهمه الحل بالاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله فغفر له.

استرجع بتاريخ 31/مايو/2020 من الموقع: http://www.manaratweb.com/22176/ عنوان المقالة: الابتلاءات والأزمات في التصور الإسلامي
• إدارة المال والاقتصاد:
ما تعرض له نبي الله يوسف -عليه السلام- خاصة فاستطاع هذا النبي بصبره وحنكته، وفضل قيادته الرشيدة، بعدما منَّ الله عليه وأكرم مثواه عند عزيز مصر أن يتجاوز أزمة طاحنة حلت بالبلاد والعباد. وقصة سيدنا يوسف عليه السلام؛ لأنها الأشهر والأكثر تحليلا بين القصص في القرآن الكريم وأجادوا في تحليلها كأزمة ولكن هناك قصص كثيرة.

ومنها قصة سيدنا أيوب وإدارة المال والاقتصاد، وأيضا قصة سيدنا شعيب فيها عبرة للمسلمين؛ لأهمية العدل وضبط الموازين المادية، والموازين المعنوية؛ لتحقيق الحق، وعدم التلاعب بالموازين؛ لأن ذلك يشكل انحراف وفساد اقتصادي وتضخم .

وقصة ذو القرنين أيضا تشكل أزمة أخرى وشرح القرآن كيفية حلها وبناء السد. فقد فطر الله تعالى ذا القرنين على الصلاح، وأعطاه من كنوز الأرض وخيراتها؛ فطلب من القوم أن يعينوه على ما يفعل، ويساعدوه على ما يصنع، فحدوا له الحديد والنحاس، والخشب والفحم، فوضع بين الجبلين قطع الحديد، وحاطها بالفحم والخشب، م أوقد النار. وأفرغ عليه ذائب النحاس، واستوى كل ذلك بين الجبلين سدًا منيعًا قائمًا، ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن تظهره لملامسته، وأراح الله منهم شعبًا كان يشكو من أذاهم، ويألم من عدوانهم.(البجاوي، والمولى، وإبراهيم، 2005).

وفي قصة يونس أيضا عبرة أخرى كيف أنه تصرف بدون الرجوع للقيادة العليا فكان جزاؤه أن التقمه الحوت ثم عرض لنا كيفية الخروج من هذه الأزمة والسيرة النبوية العطرة تزخر بالأزمات من بدايتها حتى نهايتها ولا يكفيها كتاب لوحدها شرحا وتفصيلاً من بداية الهجرة للحبشة إلى حفر الخندق.

والخلافة الراشدة أيضا مرت بأزمات كبيرة من ردة جزيرة العرب وعام الرمادة في عهد عمر وكتابة القرآن في عهد عثمان والخوارج في عهد علي رضي الله عنهم أجمعين. استرجع بتاريخ 22/يونيو/2020 من الموقع:

https://specialties.bayt.com/ar/specialties/

*التخطيط والخطط الاستباقية:
يركز الإسلام على التخطيط الاستباقي، بمعنى أن نخطط ونضع الخطط الاستباقية في المرحلة التي تعرف بالكارثة أو بالأزمة، لذلك فإنه من الأفضل دائمًا أن تتصور – كفرد أو كدولة – أنه يمكن أن تحدث لكل أزمة – أي نوع من الأزمات أو الكوارث – فتقوم برسم السيناريوهات اللازمة التي تعتقد أنها ستسهم بطريقة أو بأخرى في التصدي لهذه الأزمة إن حدثت، ويمكن أن تضع أكثر من سيناريو، فإن لم ينفع هذا فيمكن أن ينفع السيناريو الآخر، وهكذا.
ويمكن أن نجد ذلك واضحًا في سيرة سيدنا يوسف عليه السلام، عندما عُرضت عليه رؤى الملك في سبع بقرات سمان، وأخرى عجاف، وسبع سنبلات وما إلى ذلك، وهي قصة مذكورة في سورة يوسف، فماذا قال سيدنا يوسف: (قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)”يوسف: 47-49″.

*إدارة المال والاقتصاد:
كان المحور الأساسي للرؤيا هي الأزمة الغذائية التي كانت ستعصف بالبلاد، وذلك بعد سبع سنوات من تلك اللحظة التي كان يتحدث فيها، وستستمر تلك الأزمة سبع سنوات أخرى، فطلب منهم أن يستفيدوا من سنوات الرخاء والوفرة وسنوات اللاكارثة في زراعة المحاصيل التي تعرف بالمحاصيل الاستراتيجية، أي تلك المحاصيل التي يعتمد عليها الإنسان في غذائه مثل القمح والأرز والذرة وما إلى ذلك، بالإضافة إلى الشعير، والمنتجات العلفية التي تستخدم في تغذية المواشي فهذه هي المحاصيل والمنتجات التي تحفظ في سنابلها. أما بقية المنتجات الزراعية مثل: الطماطم والخيار وما شابه ذلك فليست ذات سنابل، لذلك فإنها لا تحفظ إلا بإجراء العديد من الصناعات التحويلية عليها.

*إعطاء الرسائل الإيجابية:
وحتى لا يستمر مبدأ نصف الكأس الفارغ، أرسل عليه السلام رسالة إيجابية على الرغم من أن الرؤيا لا توضح ذلك ولا تصل إليه، وهي أنه بعد كل تلك السنوات العجاف ستمطر السماء، وستنبت الأرض، وستعود سنوات الرخاء من جديد، ويمكن أن نقرأ ذلك من خلال الآية (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).

*العلم والمعرفة والعلماء:
في قصة ذي القرنين والمذكورة في سورة الكهف نجد أن ذا القرنين كان مطلوب منه أن يقوم ببعض الأعمال المعنية، ونجد أنه حتى يتمكن من القيام بذلك فإن الله سبحانه وتعالى أتاح له كل المعلومات التي تساعده في إتمام مهامه، فمن غير الحكمة أن نكلف أحدا أمرا ثم نخفي عنه أي معلومات أو ملفات يحتاج إليها في إنجاز مهامه، نحن حينئذ نريد فشله أو فشل المهمة ولا نريد نجاحه أو نجاح المهمة.

لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يوضح لنا في بقية الآية 84 ويقول (وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)، بمعنى أنه أعطاه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف.
*الأخذ بأسباب العلم والمعرفة:
ويجب ألا يكتفي القائم بالعمل بأخذ أسباب العلم والمعرفة فحسب، وإنما عليه أن يُسخر هذا العلم وتلك المعرفة، ويستفيد منهما في إنجاز العمل المنوط به، لذلك فإن القرآن الكريم في الآية 85 من سورة الكهف، أوضح أن ذا القرنين لم يعط المعرفة فقط، وإنما أتبع ذلك بضرورة العمل بهذا العلم، والأخذ بتلك المعرفة لأداء العمل المكلف به، فقال تعالى (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)،

لذلك فإنه من المهم جدًا أن نفكر في المقولة التي تقول (وضع الرجل المناسب في المكان المناسب).

*سؤال أهل العلم والاختصاص:
لقد أكد القرآن الكريم ضرورة سؤال أهل العلم والمعرفة والاختصاص والرجوع إليهم والاستفسار، والاعتماد على تقييمهم، وقدرتهم على الاستنباط، والتحليل؛ للخروج من الأزمات، فقد قال تعالى في سورة النساء الآية 83 (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا)، فهؤلاء هم الذين يجب أن يتصدروا الموقف.

 

*الفطنة القيادية:
بسبب الفطنة القيادية التي وهبها الله سبحانه وتعالى لذي القرنين، فإنه لم يستفرد ببناء السد وحده أو بالتعاون مع الأفراد الذين جاءوا معه، وإنما فضل أن يسهم أهل القرية في بناء ذلك السد المطلوب، وذلك – ربما – تحقيقًا لسببين، وهما؛ الأول: وهو المبدأ يبنى على الفكرة التالية «لا تطعمني سمكةً، ولكن علمني كيف أصطاد السمك، إنك إن أطعمتني سمكةً أكلتها اليوم ولكني سأبقى جائعًا في الفترات التالية، أما إن علمتني كيف أصطاد السمك فمكنتني من أسباب الرزق»، من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو داود «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ، قَالَ: بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إلى أَهْلِكَ».

*العمل الجماعي وتكوين فرق العمل:
والمبدأ الثاني: أن يستشعر أهل القرية، أن هذه قريتهم وأنهم أولى بالمحافظة عليها، وصد أي هجوم ومن أي طرف كان، فقد كان من الممكن أن يبقى معهم شطر من الزمن، ويصد عنهم هجمات أعدائهم، إلا أنه فضل أن يقومون كلهم جميعًا ببناء هذا السد، حتى إن غادرهم فإنه قد منحهم أسباب القوة، وهي كيفية تكوين فرق العمل، ومرة أخرى منحهم أسباب القوة، وهو بناء السد وقدرتهم على المحافظة على قريتهم، وبالتالي يمكنهم البقاء والاستمرار.

ويقول علماء التنمية البشرية وتنمية القيادات إن فكرة تشكيل فرق واستخدامها في حل المشاكل التنظيمية والوصول إلى النتائج، تعد من أذكى الأفكار والتوجهات التي يمكن أن يستخدمها القادة الأذكياء في أفضل الإنجازات وأدومها.

*التوظيف الأمثل للطاقات البشرية:
وهذا ما نجده في الآية الكريمة 95 من سورة الكهف: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)، فذو القرنين قام بالتوظيف الأمثل للطاقات البشرية، فلقد وظف طاقات القوم فيما يحسنون، وطلب منهم العون بالقوة التي يملكونها، وليس بالمال أو العلم فحسب.

*التأمل والتدبر في إيجاد الحلول واتباع المنهج العلمي:
إن كل مرحلة من مراحل مواجهة الأزمة تقود إلى المرحلة التالية حتى يتم الخروج منها، فمن الأمل واليقين برحمة الله تعالى، التأمل وإيجاد الحلول العلمية والعملية، إذ إنها كلها حلقات متواصلة، لا يمكن الفصل بينها، وأي حلقة إذا ما فقدت فسنفقد من خلالها التوفيق الإلهي في الحل الجذري.

*تشخيص الأزمة بشكل سليم ودقيق:
لذلك فمن الضروري تشخيص الأزمة بشكل سليم ودقيق حتى يمكن أن يوفر العلاج الصحيح، وإلا ستبقى الأزمة قائمة وسنبقى ندور في حلقة مفرغة من غير الوصول إلى النهاية، ففي الأزمات والكوارث لا يوجد ظنون وتخمينات، وإنما كل الأمور والقرارات المتخذة ينبغي أن تكون قائمة على فكر مستنير وعقلية متفتحة، يقول تعالى في سورة النجم الآية 28 (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)، فالظن والتخمينات من غير دليل قائم مرفوض في الإسلام، لذلك فإن الحق يعني اليقين المستفاد من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، الكفيلة بالخروج من الأزمة، وأما حالة الظن كفيلة باستمرار الأزمة واستفحالها.

ولو نظرنا إلى ما حلّ بقوم لوط وشعيب نجد أنها أزمات أدت إلى هلاك القوم، وتتمثل أسبابها في أن قوم شعيب بخسوا المكيال وغشوا في الميزان، وهذه جريمة اقتصادية كبرى، تؤدي إلى ضياع حقوق الناس، وخراب ثرواتهم، وفساد الذمم والأمم، واشتراك جموع القوم فيها. وكذلك الأمر مع قوم نوح اتحلوا محارم الله، وقطعوا السبيل، وفعلوا المنكرات في أنديتهم، وصار الأمر مباحًا مشاعًا دون نكير بينهم. (جمعه، 2018).

*قراءة التاريخ:
لقد جاء القرآن الكريم ليضع الطريقة المثلى في علاج الأزمات والابتلاءات، بخطوات منظمة، وبشكل منطقي: قراءة التاريخ، وذلك من باب القياس والقراءة الموضوعية للاستفادة من أزمات الأمم المشابهة. القراءة العلمية والموضوعية للأزمة.

*إعداد العلاج والحل:
فالأخذ بالأسباب يقود إلى العلاج والخروج من الابتلاءات (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) سورة النساء – الآية 66. فلو أنهم استجابوا واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها؛ لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا واستقرارًا للإيمان في قلوبهم وأبعد عن الاضطراب فيه، فعلى البشر ألا تعيش حالة الأزمة والابتلاء بكل كيانها وتفتقد القدرة على القراءة والتشخيص، وتدبر الحلول.

 

*اللجوء لله عز وجل بالدعاء:
يقول تعالى في سورة البقرة – الآية 186 (وإِذا سأَلك عِبادِي عنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيب دعوة الداعِ إذا دعانِ)، فالدعاء هو الذي يعيد التوازن البشري، ويحفظ النفس البشرية من الانهيار والاستسلام، فاليقين بفرج الله تعالى هو العامل النفسي الأهم والأخطر في مواجهة الأزمات، لذلك حرص القرآن على مخاطبة النفوس وتثبيتها عند المحن والابتلاءات، وتدريبها على أن هذه الأزمات ستنتهي حتمًا.

يقول تعالى في سورة الزمر الآية 53 (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، لذلك يحذر من الدعوات الباطلة إذ يقول في سورة الإسراء الآية 56 (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً). فالدعاء هو الحلقة الأخيرة في إطار مواجهة الأزمات، وتأتي بالتوازي مع بقية الأمور الأخرى التي سبق ذكرها. استرجع بتاريخ 1/ يونيو/2020 من الموقع:
http://www.akhbar-alkhaleej.com/news/article2

*امتلاك مهارة التفكير السنني، والتفكير التسخيري
وتحتاج إدارة الأزمة إلى امتلاك مهارة التفكير السنني، والتفكير التسخيري، الذي يأخذ بالسنن والأسباب ليواجه الأزمات، ولا ينتظر حدوث الخوارق والكرامات؛ ذلك أن الأزمة بحسب الرؤية الإسلامية لها قانونها، فهي من خلق الله تعالى ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (طه:50)، أي خـلق كل شيء لغاية، وأرشده للغاية من خلقه، والله تعالى يبتلينا بالأزمات لنراجـع أنفسنا، قال سبحانه: “وأخذناهم بالعذاب يرجعون” (الزخرف:48)، فمـن اهتدى لقانون التعامل مع الأزمـة، فراجع نفسـه، ولم يتكبر عن الحق، عرف كيف يحول المحنة إلى منحة.

*معرفة القوانين لإدارة الأزمة
ومعرفة القوانين لإدارة الأزمة يستلزم الأخذ بالأسس، التي اعتمدت عليها الإدارة الحديثة القائمة على الملاحظة واكتشاف السنن الاجتماعية، التي أودعها الله في خلقه، مع تفعيل البعد الديني، الذي يمكن الإنسان من الصمود ومواجهة الأزمة بيقينٍ أن مع العسر يسراً، وهذا ما يستدعي دراسة إدارة الأزمات في المصادر التراثية؛ لنرى كيف جمعت بين الإيمان، والملاحظة باعتبارهما طريقين متلازمين للحقيقة، لا ينفك أحدهما عن الآخر. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في تفعيل الأزمات والاستفادة منها، وتحويل الموقف السلبـي إلى إيجـابي، وذلك بقوة الإيمان والعزم والتوكل على الله، مع الإفادة من الخـبرات الاجتماعية، كمـا في خبرة سـلمان الفارسي، رضي الله عنه، يوم الأحزاب. ففي هذه الغزوة نموذج رائع لاشتداد الأزمة، وحسن إدارة الرسول-صلى الله عليه وسلم- عقديًا وعسكريًا واستخباراتيًا، فقد تتالت الأنباء إلى رسول الله تعالى، وأن قريشًا جمعت جموعها وظاهرتها قبيلة غطفان، وتابعتها قبيلة أشجع وخرجوا جميعا لقتال الملمين، وجاء خبر أشد بأن بني قريظة من اليهود نكثوا عهودهم، أملاً في طعن المسلمين من الخلف، والقضاء على دين الله. فالعدو أحاط بهم من كل جانب، فهلعت القلوب أمام الكرب، واشتد البلاء، وتحول الأمر إلى محنة عظيمة، قال الله تعالى: “هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا”(الأحزاب:11). وجاء الفرج بإسلام نعيم بن مسعود وما قام به من تخذيل للأعداء، حيث قال له الرسول –صلى الله عليه وسلم- :إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة. فتخاذل الفريقان وخارت عزائمهم، وكان دعاء الرسول –صلى الله عليه وسلم-: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم) فتم النصر. (المباركفوري، 2005).

 

 

*الثقة بالله تعالى دافع للصمود أمام الأزمة:
في معركة كانت في حقيقتها معركة إرادة أكثر منها معركة مواجهة، والإفادة من خبرة سلمان الفارسي، رضي الله عنه، في حفر الخندق كانت ذات أثر فاعل في تمكين المسلمين من الصمود، وهذا المثال يكشف بوضـوح عن أهمية بناء أنموذج إداري متـكامل لا يعتمد على الإيمان وحده؛ لأنه نوع من التواكل، ولا يُضيع الإيمان ويفرط فيه لحاجة النفس للشعور بمدَد خالقها لتتمكن من مواجهة أزمة تبدو فوق قدرتها، وغزوة الأحزاب أنموذج لذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً (15) (الأحزاب:10-15)، وتلحظ من مواقف الناس، كما ذكرت الآية، أن مرض القلوب كان أخطر اختراق في مواجهة الأزمة، والقلوب لا تطمئن ولا تقر إلا بذكر الله تعالى. (المرجع السابق).

*الحجر الصحي:
الحَجْر الصحي عند وقوع أزمة الأوبئة، وهو أهم الوسائل للحَدِّ من انتشار الأمراض الوبائية في العصر الحاضر، وبموجبه يُمنع أي شخص من دخول المناطق التي انتشر فيها نوع من الوباء، والاختلاط بأهلها، وكذلك يمنع أهل تلك المناطق من الخروج منها.

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث مبادئ الحجر الصحي بأوضح بيان، فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها، بل جعل ذلك كالفرار من الزحف الذي هو من كبائر الذنوب، وجعل للصابر فيها أجر الشهيد. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ) رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم: (فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَد) رواه البخاري)، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه.(رواه البخاري).
الصحة من نعم الله عز وجل العظيمة على الناس، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري). وقد احتوت كتب السُنة على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تتعلق بالأمراض وعلاجها، وكتب بعض العلماء كتباً خاصة في ذلك، فلنحرص على صحتنا البدنية والروحية بتطبيق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في حياتنا، فهديه أكمل الهدي صلوات الله وسلامه عليه.استرجع بتاريخ 20/ يونيو/2020 من الموقع: https://www.islamweb.net/ar/article/

المراجع:
القرآن الكريم
• البجاوي، علي، والمولى محمد، وإبراهيم محمد.(2005). قصص القرآن، المطبعة العصرية: بيروت.
• البخاري، محمد.(بدون تاريخ).صحيح البخاري. دمشق: دار ابن كثير.
• جمعة، مصطفى.(2018). منهج الرسول –صلى الله عليه وسلم- في إدارة الأزمات، شمس للنشر والإعلان: القاهرة.
• الحجاج، مسلم.(1987).صحيح مسلم. القاهرة: دار الريان للتراث.
• المباركفوري، صفي الرحمن.(2005). الرحيق المختوم. المكتبة العصرية: صيدا، لبنان.
• اليازجي، صبحي.(2011). إدارة الأزمات من وحي القرآن الكريم – دراسة موضوعية، الجامعة الإسلامية – غزة، بحث منشور في مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإسلامية) المجلد التاسع عشر، العدد الثاني، ص 321 – ص 377.
مواقع الشبكة العنكبوتية:
• http://www.manaratweb.com/22176/
• https://www.islamweb.net/ar/article/
• http://www.akhbar-alkhaleej.com/news/article2
• https://specialties.bayt.com/ar/specialties/

شاهد أيضاً

الممثلة منة فضالي تعلن عن فيلم زنزانة 7

الممثلة منة فضالي تعلن عن فيلم زنزانة 7 منير الحاج نشرت الممثلة منة فضالي صورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *