الرئيسية / شبكة عرب ميديا / مفهوم الصحة النفسية و تداعياتها و طرق تعزيزها في ظل جائحة كورونا بقلم د.نوال بنت ناصر المحيجرية

مفهوم الصحة النفسية و تداعياتها و طرق تعزيزها في ظل جائحة كورونا بقلم د.نوال بنت ناصر المحيجرية

مفهوم الصحة النفسية و تداعياتها و طرق تعزيزها في ظل جائحة كورونا

بقلم د.نوال بنت ناصر المحيجرية
طبيبة نفسية
رئيسة وحدة الطب النفسي
المستشفى السلطاني

في ظل الإهتمام المتزايد بالصحة الجسدية في زمن فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، نؤكد أن العناية بالصحة النفسية لا تقل أهمية أيضا، وعلى الفرد و المجتمع أن يستوعبوا بأن الهلع والخوف المبالغ فيهما سيؤثران على مناعة الفرد النفسية مستقبلا.

هناك مفاهيم أساسيه في الصحة النفسية و هي كالتالي:
* الصحة النفسية ليست مجرّد إنعدام الإضطرابات النفسية.
* الصحة النفسية جزء لا يتجزّأ من الصحة وبالفعل، لا تكتمل الصحة بدون الصحة النفسية.
* الصحة النفسية تتأثّر بالعوامل الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية والبيولوجية والبيئية.
* هناك إستراتيجيات وتدخلات مشتركة بين مختلف القطاعات وعالية المردود لتعزيز الصحة النفسية.

علينا إعتبار أن “الأزمات فرص” وأزمة كورونا فرصة للتعلم وتقوية النسيج المجتمعي، و أثر المرض سيكون إيجابيا على المناعة النفسية والمجتمعية بعد إنحساره، إذا تحلى الأفراد بالمسؤولية والمرونة.

وجود المرض والفزع الإعلامي الذي يحيط بكورونا يشعران الناس بالقلق.
على المستوى الفردي يشعر الأفراد أنهم متوترون قلقون متشوشون، فتتضخم مخاوفهم، أما على المستوى الجماعي فيمكن أن يدخلوا في هلع على المستوى الشرائي خوفا من نقص مواد معينة، وهلعا من حصد الأرواح.
ويمكن أن يتحول الضغط النفسي لديهم إلى شعور بالغضب على الحكومات والقطاع الطبي والعاملين فيه، فالإنسان عندما يشعر بالتهديد والقلق يعبر عن ذلك بشكل غضب على الآخرين أحيانا.

قد تكون الشائعات الأمر الأكثر إضرارا بالصحة النفسية للناس، لذا يكمن حل تشوش المعلومة و الإضطراب النفسي الحاصل من الشائعات في التأكد من مصادر موثوقة كالسلطة الطبية في الدولة أو منظمة الصحة العالمية، فالأشخاص الذين يتشوشون في هذه الظروف هم من تنقصهم المعلومة الطبية، فتكون مخاوفهم مبالغة بالنسبة لحجم التهديد.
لكن الشعور بالقلق و الخوف بشكل متناسب مع الخطورة البسيطة والواقعية للفيروس هو أمر مقبول.
وينبغي التأكيد على أن متداولي الشائعات أكثر عرضة للخطر، حيث يقعون فريسة الخوف المبالغ فيه، أو إتباع إجراءات صحية غير معتمدة طبيا وغير موثوقة كالعلاج بالثوم والبصل وغيرها من الأمور التي لا تحمل دليلا قاطعا على نجاعتها.

المسؤولية هي شعور إيجابي جدا إذا إتبع الإنسان الخطوات المطلوبة منه وما تمليه واجباته الفردية لحماية المجتمع، ربما لا يوجد لهذا المرض دواء حاليا، لكننا نملك مصلا يتمثل في الوعي الفردي والمجتمعي وشعور الفرد بالمسؤولية تجاه الآخرين، من دون مبالغة في الإجراءات الإحترازية.

هناك مجموعة من النصائح عممتها منظمة الصحة العالمية كالمحافظة على المسافة المناسبة، والإبتعاد عن التجمهر، والتخلص من الأوراق والمناديل المتسخة، والعزل الصحي، وكلما زادت مسؤولية الفرد إتبع التعليمات بدقة أكثر، ورغم أن هذا الفيروس تنجو منه الغالبية العظمى من الناس بالذات من هم في جيل صغير أو ليس لديهم أمراض مناعية، فإن المسؤولية تبقى ماثلة حتى لا تنقل العدوى لذوي المناعة الضعيفة.

أما الخوف فيحدث عندما يبالغ الفرد في الإجراءات الإحترازية أو يتعطل عن أداء وممارسة حياته اليومية، فالإنسان المرن هو من يجد البدائل ويستمر في الحياة ورعاية أبنائه والتواصل مع الآخرين بطريقة نافعة مع إيجاد البديل الآمن كإلغاء الاجتماعات وإجرائها إلكترونيا.

المهم هو المحافظة على الروتين لأنه ينظم الحياة، أما الفراغ فيزيد من التشوش، لذا علينا إيجاد بدائل تساعدنا على أن نكون مرنين ومنتجين كي لا نقع ضحية لفريسة القلق والتوتر الناتج عن الفراغ.

وإلى جانب الشائعات والتهويلات، فإن فزع الناس من كورونا ينبع من أن الإنسان يخاف مما يجهله أكثر من الأمر الذي يعرفه، وهناك نسبة من الغموض والمجهول في مرض كورونا تثير التوجس لدى الناس.

و لو إقتربنا من المفهوم النفسي الإجتماعي للجائحة الحالية و تداعياتها نجد أن الخوف من أي وباء يرتبط بعدم وجود فهم واضح للمرض الجديد و الغموض المصاحب لهذا المرض أكثر مما هو ناجم عن عدد الوفيات التي يتسبب بها.

حيث أنه ليس هناك بالضرورة علاقة متناسبة بين عدد الوفيات والخوف الناجم عن المرض.
الأمراض الجديدة التي تظهر بشكل دوري تثير الكثير من القلق حتى لو كان عدد ضحاياها قليلاً.

ومن المفارقة أنه في بداية إنتشار وباء ما ، يكون السكان الأقرب إلى بؤرة الإصابات هم الأقل قلقاً. فكلما إعتاد الناس الخطر مع تسجيل إصابات مباشرة، تراجع قلقهم.

الخوف أقرب إلى إستباق للأمور. ومع تنامي الإعتياد على المرض، يتراجع الخوف والسلوك غير المنطقي. إلى حدّ أنه يتحتّم أحياناً إيقاظ إحساس الناس بالحاجة إلى الحماية، إذ يُسجل تلاشٍ عام في إلتزام تدابير الحماية التي توصي بها السلطات العامة.

و الجدير بالذكر بأن هناك معيارين يحكمان طريقة فهمنا للمخاطر على صحتنا:
-المعيار الأول هو تصوّرنا للمعرفة حول المرض. فكلما بدا لنا المرض غير معروف أو غير مفهوم، إزداد قلقنا حيال المخاطر.
-لكنّ هذا العامل يقابله عامل آخر و هو تصوّرنا لإمكان السيطرة على هذا الخطر وضبطه.

الوسائل التي تلقّينا توصيات في شأنها، على مستوى النظافة الجسدية مثلاً، هي وسائل لها قدر من الفاعلية الجماعية، لكنها على الصعيد الفردي ليست بمستوى الفاعلية ذاته كالتلقيح ضد الإنفلونزا الموسمية مثلا!

و على المدى الطويل ينبع الفزع أيضا من الخوف والقلق والذي يضعف المقدرة على العمل، إلى جانب الإغلاق ومنع السفر الذي يولد خسائر
وتوترات وتبعات نفسية إضافية على المجتمع حتى لو لم يصاب أفراده، فإغلاق المطاعم والمدارس والمتنزهات يشكل حالة من الضغط تفاقم الضغط والتوتر لدى المجتمعات

لا يتوتر الناس لخشيتهم من الموت أو الضرر الجسدي فقط، بل أيضا لخشيتهم من التعطل عن العمل والإنعزال والإستبعاد الإجتماعي إن أشيع أنه مريض أو محجور صحيا، فيخاف من خسارة وظيفته، ويخشى أن يكون مصدرا للعدوى، فيقوم بعضهم بالتنصل من الحجر الصحي وإخفاء قدومه من دولة إنتشر فيها المرض.

و أود التنويه بأن هناك بعض الأشخاص ذو شخصيات قلقة أصلا، فهؤلاء سيتفاقم القلق جليا لديهم و خصوصا من يعانون من الوسواس القهري وقلق صحي متعلق بالأمراض في ظل وجود الفيروس في الأجواء، وكأنه أصبح محفزا لظهور أعراض وسواسية أخرى.

بالنسبة للأطفال، من المهم أن تتم توعيتهم بعبارات لا تخيفهم وتتناسب مع مستواهم العقلي، وأن لا يظهر الوالدان القلق أمام أولادهم وعدم التحدث الزائد عن الموضوع.

وهذه فرصة أيضا لتوعيتهم حول النظافة الشخصية، وملء أوقات فراغهم جيدا، مع مراعاة عدم إنقطاعهم عن التعليم لمدة طويلة، وأن لا يبقى الطفل حبيس المنزل، أيضا يجب أن يتعرض للهواء والشمس تحت الإشراف بعيدا عن أي أطفال مرضى.

أما المسنون فيكادون يكونون أكثر رقة من الأطفال، ولديهم هشاشة صحية ونفسية أعلى من غيرهم، لذلك من المهم البقاء بالقرب منهم والتواصل معهم، مع الحرص الشديد على عدم نقل العدوى لهم، ودعمهم من الناحية المعنوية والصحية بما فيها من تغذية ورياضة وتهوية جيدة، والإهتمام بظهور أي أعراض مرضية حتى لا تتأخر الرعاية الصحية اللازمة.

هناك أيضا القطاع الطبي الذي يقدم الخدمة للمصابين، فهؤلاء يدخلون في ضغط إضافي نتيجة زيادة الأعباء عليهم، إذ عليهم أن يبتعدوا عن أبنائهم وأزواجهم وعائلاتهم، ولديهم محاذير أكثر من الآخرين، خصوصا أن بعض مقدمي الخدمة الطبية أصيبوا بالفيروس.
لذلك كان لزاما الثناء على ما يقومون به ودعمهم مجتمعيا وتقديم الدعم والمشورة النفسية لهم، وعدم لومهم وإنتقادهم في كل صغيرة وكبيرة.

ولا يمكن إغفال شريحة أهل المريض الذين يكونون بأمسّ الحاجة للمعلومة الطبية المتزنة والمطمئنة.

بالنسبة لمن هو في الحجر الصحي يجب فور شعوره بالأعراض أن يلجأ سريعا للمساعدة الطبية ويلتزم بالتعليمات، ولا يخاف من الإجراءات الطبية، وأن يهتم بما يمتعه نفسيا كالتواصل الإلكتروني مع الأصدقاء والأهل، وساعات النوم المتوازنة، مع الإبتعاد عن الطرق غير السوية لتخفيف القلق كشرب الخمر والتدخين، والإبتعاد عن الأخبار المقلقة، وأن يشتت إنتباهه بالكوميديا والموسيقى مثلا، ويحافظ على تغذية متوازنة وتهوية مناسبة ويمارس الرياضة.

وأكبر تحد نفسي يواجه المصاب هو الشعور بالملل والوحدة والإكتئاب والعجز، فهذا يؤلمه أكثر من الأعراض الجسدية التي قد لا تظهر على الجميع، لذلك من المهم عدم وصم المصابين مجتمعيا، وتكثيف التواصل الإلكتروني معهم، ومنحهم بعض الإستقلالية لتخفيف وطأة العزل.

و هذا يذكرنا بالثمانينيات إثر إنتشار مرض الإيدز، فبقدر ما تعرض المرضى للوصمة الإجتماعية والعزلة أصبح بعضهم يحاول حقن غيره بالفيروس.

التعامل مع المرضى بإشمئزاز وعنصرية يمكن أن يخلق لفئة بسيطة منهم شعورا بالعدائية لتخفيف العزلة الإجتماعية التي يعيشونها.

و أخيرا إضافة للمناعة النفسية التي سيكتسبها الفرد والمجتمع، سيكتسب تعلم الأمور الصحية بشكل عام، وتعلم الحفاظ على الصحة الشخصية، وتعلم المسؤولية تجاه المجتمع، وتعلم التعامل الإيجابي مع الأزمات، وتعلم المرونة الإيجابية مع تغير الروتين في الحياة وأوقات الفراغ، وتعلم الزهد في الأمور التي إعتاد الأفراد عليها وإختفت مع وضع الطوارئ.

أزمة فيروس كورونا أصبحت وباء عالميا، والتعاون المجتمعي والمسؤولية الفردية سيجعل الناس يعيشون هذه الخبرة بألم نفسي وفقدان وحزن أقل، وبالمقابل سيشعرون بالفخر لما أظهروه من إيثار ومسؤولية، يجب أن نعي بأن هذه الأزمة هي فرصة لتعلم قيم مهمة للنسيج المجتمعي.

أنا متفائلة أنه بعد إنتهاء هذا الوباء ستكون مناعة الناس النفسية أعلى، نحن اليوم نستلهم الشجاعة من الأزمات التي مررنا به سابقا، لكل مجتمعات أزماتها الخاصة، الأزمات تجعل الفرد والمجتمع أقوى، وتظهر صفات المجتمع الحسنة من التطوع والتعاون والمسؤولية المجتمعية، وأنا أرجح أن هذه الأزمة ستجعل المجتمعات أفضل بعد حين، سيتعلمون الحفاظ على الهدوء الشخصي، وتقديم العناية اللازمة للأشخاص المحيطين.

شاهد أيضاً

تعرف علي التحديثات الجديدة لأعراض فيروس كورونا للمصابين ولمن تم شفاءهم من فيروس كورونا

كتب / رابعة على العماني هناك عدة (بروتوكولات) مختلفة عالميا لإعلان الشفاء من فيروس كورونا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *